محمد سعيد رمضان البوطي
214
فقه السيرة ( البوطي )
ثالثا : روى البخاري أيضا عن جابر رضي اللّه عنه أنه لما قفل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قفل معه ، فأدركتهم القائلة - وقت القيلولة - في واد كثير العضاه - نوع من الشجر - فنزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وتفرق الناس يستظلون الشجر ، ونزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تحت سمرة فعلق بها سيفه ، قال جابر : فنمنا نومة ، فإذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يدعونا فجئناه فإذا عنده أعرابي جالس ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتا ، فقال لي : من يمنعك مني ؟ فقلت له : اللّه » ، فها هو ذا جالس . . . ثم لم يعاقبه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 1 » . رابعا : روى ابن إسحاق وأحمد عن جابر رضي اللّه عنه ، قال : خرجنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع فأصيبت امرأة من المشركين فلما انصرف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قافلا وجاء زوجها وكان غائبا ، فحلف أن لا ينتهي حتى يهريق دما في أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فخرج يتبع أثر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فنزل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم منزلا ، فقال : « من رجل يكلؤنا ليلتنا هذه » ؟ قال : فانتدب رجل من المهاجرين وآخر من الأنصار « 2 » فقالا : نحن يا رسول اللّه ، قال : « فكونا بفم الشعب » ، قال : وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه قد نزلوا إلى شعب من الوادي . فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب ، قال الأنصاري للمهاجري : أيّ الليل تحب أن أكفيكه ؟ أوله أم آخره ؟ قال : بل اكفني أوله ، فاضطجع المهاجريّ فنام ، وقام الأنصاري يصلي ، قال : وأتى الرجل فلما رأى شخص الأنصاري عرف أنه ربيئة القوم - الطليعة الذي يحرسهم - فرمى بسهم فوضعه فيه ، فنزعه الأنصاري وثبت قائما يصلي ، ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه ، فنزعه وثبت قائما ، ثم عاد له بالثالثة فنزعه ، ثم ركع وسجد ، وأهب صاحبه - أيقظه - قائلا : أجلس فقد أثبت ، قال : فوثب ، فلما رآهما الرجل عرف أن قد نذر به « 3 » فهرب ، ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال : سبحان اللّه ، أفلا أيقظتني أول ما رماك ، قال : كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها ، فلما ثابر عليّ الرمي ركعت فأذنتك ، وأيم اللّه ، لولا أن أضيع ثغرا أمرني رسول اللّه بحفظه ، لقطع
--> - أنه عليه الصلاة والسلام صلى بأصحابه صلاة الخوف أكثر من مرة ، فصلاها مرة على النحو الأول وصلاها مرة أخرى على النحو الثاني وحديث مسلم يدل على أن المسافر يجوز له أن يتم الرباعية ويقصرها وهو مذهب الشافعي ومالك والإمام أحمد ، خلافا للحنفية . ( 1 ) صحيح البخاري : 5 / 52 و 53 و 54 . ( 2 ) زاد ابن إسحاق : وهما عمار بن ياسر ، وعباد بن بشر . ( 3 ) نذر به : أي اكتشف أمره .